الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

أَنْوَاعُ المَوْت والإِسْتِعْدَادُ لَهُ

 

  

الإِسْتِعْدَادُ لِلمَوْت

 

إن الحياة التي تنتهي بالموت والتي يتخللها التعب والمرض والمشقات والمخاطر وغير ذلك مما يكره الإنسان ليست الهدف الذي يطلبه المؤمن، ولا هي الغاية التي خلقنا الله من أجلها، إذ أنه خلقنا لننال السعادة الأبدية في الحياة الخالدة، وجعل الطريق لها طاعته، فمن أراد أن ينال تلك المنزلة فليمهد الطريق لها بالعمل الصالح، وليطع الله تعالى في كل كبيرة وصغيرة، وقد لفت القرآن أنظارنا نحو الحياة الحقيقية التي يجب السعي لها حيث قال سبحانه(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) وقال(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ  إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وهناك الكثير من الآيات التي تحثنا على العمل للآخرة والبناء لدار الخلود مشيرة إلى كون الدنيا دار عمل وامتحان، وهي في نفس الوقت دار لهو ولعب وزينة، قال سبحانه(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ  سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)

أما العمل في الدنيا للدنيا فلا بقاء له، لأن كل شيء فيها زائل، فقد ورد عن الإمام الباقر(ع) قال: ينادي مناد كل يوم لد للموت واجمع للفناء وابن للخراب:

وهذا يدفع بالمؤمن الذي يتأثر بالموعظة ويأخذ بالنصيحة إلى الإهتمام بأمر الآخرة ليربح الدنيا والآخرة في آن واحد، ويجب أن نفهم أمراً مهماً في دين الإسلام وهو أن الإستعداد للموت لا يزرع اليأس في قلب المؤمن، ولا يدعونا الإسلام إلى التخلي عن الدنيا، فهي بالتالي حياةٌ نحن نعيش فيها، بل ينبغي السعي لها ضمن الشرط التي وضعها الإسلام، فَعِشْ في الدنيا كيفما تريد بشرط أن تبتعد عن المعصية، ولقد حثنا الله عز وجل على عدم نسيان نصيبنا من الدنيا، لأنّ لنا حقَّ العيش فيها، فقال سبحانه(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) فلا تنس نصيبك من الدنيا بشرط أن تكون صالحاً وذاكراً للآخرة وعاملاً لها، لأنها هي الهدف الأساس من وجودك في الحياة الدنيا التي هي ممرٌّ للناس إلى الآخرة.

 

كَيْفَ نَسْتَعِد لاسْتِقْبَالِ المَوْت

 

لو فكر الإنسان قليلاً في المصير المحتوم لَسَعَى إلى جَعْلِهِ مصيراً جيداً ومتوجاً بالرحمة والراحة والسعادة، فلو عاش في الدنيا عزيزاً أو ذليلاً أو غنياً أو فقيراً أو عالماً أو جاهلاً أو صحيحاً أو سقيماً أو مؤمناً أو كافراً أو مطيعاً أو عاصياً فإنه لا بد وأن تأتي الساعة التي تُقبض فيها روحه وينتقل من دار الممر إلى دار المقر ومن دار العمل إلى دار الحساب، وإذا كان الأمر كذلك كان جديراً بالعاقل أن يحسّن آخرته عبر الإلتزام بأحكام الله تعالى والسعي للآخرة، فإنه ما مِنْ عَبْدٍ سعى للآخرة إلا نال أجرها وثوابها، فلو كانت هذه الدنيا دار خلود لتغير الكلام، ولكنها بما أنها دار عمل ينتهي بالموت، ولا أحد منا يعلم ساعة موته، كان لا بد من أن نستعد لمواجهة الموت ونمهد الطريق ونفرشها بالعمل الصالح، ولو فكرنا قليلاً بعذاب الآخرة الذي لا نهاية له ولا خروج منه وقارَنَّا بينه وبين عذاب الدنيا لأخَذَتْنا الخشية، وسلكنا الطريق الصحيح الذي يؤدي بنا إلى الرضوان ويوصلنا إلى دار السعادة، ولقد وَعَظَنَا أمير المؤمنين(ع) حول هذا الأمر، ولكن المتعظين كانوا قلة، فقد قال(ع) : أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه والعثرة تدميه والرمضاء تحرقه فكيف إذا كان بين طابقين من نار ضجيع حجر وقرين شيطان: وفي موضع آخر قال(ع) لسلكوا الطريق وخافوا عذاب الحريق:

وهذا يعني أنه يجب أن نستعد للموت، ونفرش قبورنا بورود العمل الصالح، ونضيئه بأنوار التقوى وحب لقاء الله والشوق للرحمة والمغفرة والنعيم، فعن طارق بن عبد الله قال: قال رسول الله(ص):يا طارق إستعد للموت قبل نزول الموت: فهنا يعظ الرسول طارقاً وغيره، ويحثهم على العمل الصالح قبل حلول الموت الذي يفصل بيننا وبين العمل، فلا ينبغي أن نؤخر العمل إلى حلول الأجل، فعندها تُطوى صفحة الحياة، ويُغلق ملف العمل، وتبدأ لنا مرحلة جديدة تسمى مرحلة الجزاء بالخير خيراً منه وبالشر شراً منه، وكذلك يعظنا أمير المؤمنين(ع) بموعظة مؤثرة حول هذا الأمر العظيم فيقول: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ:

فينبغي على كل واحد منا أن يبادر أجله بالعمل كيلا يأتيه وهو مقصر بواجباته والتزاماته الأخروية، فإن هذا التقصير لا علاج له، فلا تتممه الحسرة، ولا يكمله الندم، لأن يوم القيامة يوم لا ينفع فيه الندم ولا العذر،قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وقال(فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) وقال(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وهناك العديد من الأحاديث التي تحث على الإستعداد للموت.

فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: إن أمراً لا تعلم متى يفاجأك ينبغي أن تستعد له قبل أن يغشاك:

وقال(ع) أسمِعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم

وقال: إن العاقل ينبغي أن يحذر الموت في هذه الدار ويحسن له التأهب قبل أن يصل إلى دار يتمنى فيها الموت فلا يجده:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى